أرشيف   |   إتصل بنا
عيون بيروت مجلة تعنى بالشؤون البيروتية - تصدر كل 15  يوماً ,لاستفسارتكم الرجاء الاتصال 01867559 او عبر البريد الالكتروني  oyoonbeirut@hotmail.com
 
المحتويات
الصفحة الرئيسية
تحقيق
اراء و مواقف
مقابلة
حدث
للنقاش
مؤتمر
شكاوى
حلول
معالم
بيئة و تراث
قضية
اعلام
خواطر
باقلامهم
رياضة
 

 

آثار

 

 

 

المتحف الوطني في بيروت:

ذاكرة عصية على الحروب والنسيان

د. عيدا زين الدين:

بيروت، هذه الأرض التي درج الإنسان على ثراها منذ أقدم العصور، أودع أرضها طريقة حياته وآثاره وكنوزه، فإذا هي تختزن آثاراً ومعالماً أثرية تروي فصولاً من تعب وكدّ الإنسان، وتشهد على تعاقب وتلاقي الشعوب والحضارات.
على أثر الحرب العالمية الأولى، واحتلال بيروت من قبل القوات الفرنسية، وجد الفرنسيون عدد كبير من العاديات. لذلك بدأ أحد ضباط الفرقة الفرنسية، الكومندان ريمون ﭭيل (Raymond Will)، في عام 1919، بجمع بعض الآثار المكتشفة، فكان منها نواة دار الآثار اللبنانية.
وضعت الآثار التي تمّ جمعها في غرفة من بناية الدياكونيز الواقعة في شارع جورج بيكو. ولم يلبث عددها أن ازداد بفعل ما كشفت عنه الحفريات التي قام بها الباحث كونتنو في صيدا، وبفضل ما تمّ جمعه من الهبات الخاصة.
وصيانة للآثار اللبنانية من الضياع، عقد إجتماع في عام 1923 في بورصة بيروت، حضره عدد من أعيان المدينة، وبحث فيه مسألة إنشاء جمعية تعمل على صيانة الآثار اللبنانية والتنقيب عنها وبناء دار تضمّ مجموعة التحف، ويطلق على تلك الدار تسمية «المتحف الوطني». وتمّ انتخاب لجنة من الحضور لوضع الأساس لتحقيق المشروع والعمل على جمع الأموال اللازمة له. وباشرت الجمعية مساعيها لإنشاء المتحف الوطني في بيروت، وقد تألّفت «جمعية أصدقاء المتحف الوطني» من الأعضاء: عمر الداعوق، هنري فرعون، الدكتور فؤاد غصن، سليم إده، أسعد يونس، الدكتور وفيق بيضون، جاك تابت، بيار ضودج، الأب موتارد، جورج فيسيه، والأمير موريس شهاب.
بعد إنشاء مصلحة الآثار القديمة في المفوضية العليا، أصبحت هذه المجموعة متحفاً مؤلّفاً من ستّ غرف، وكلِّفَ بأمانة هذا المتحف حتى عام 1928، المسيو ﭭيرولو والـﭭيكونت فيليب دي طرازي أمين دار الكتب اللبنانية. وكلِّف الأمير موريس شهاب أمانة المتحف، ووصلت الإعتمادات المفتوحة في موازنة الحكومة اللبنانية لصالح موظفي المتحف في عام 1928 إلى 7759 ليرة لبنانية سورية ورق، وارتفعت في عام 1929 إلى 8251 ليرة لبنانية سورية ورق. وقد تجهّزت غرف المتحف باثني عشر ناووساً، بالإضافة إلى عدد من المنحوتات وقواعد الهياكل والأعمدة التي وجدت في صيدا وضواحيها، وضمّت مجموعة من الآثار الفنية القديمة العائدة إلى عهد الفينيقيين واليونان والرومان والبيزنطيين.
قامت الحكومة اللبنانية بإنشاء بناية خاصة لجمع الآثار على طريق الشام، بحسب التصميم الذي وضعه المهندس أنطوان نحاس. وتضمّن المبنى مدخل ورواق وساحة تضمّ قاعتين، وغرفة للمجموعات. واشتمل البناء على طابقين: سفلي تحت الأرض، وأرضي يعلوه رواق عريض يدور حوله. وألحق بالمبنى جناح اتصل بغرف المجموعات، وضمّ إدارة المتحف ودوائره ومكتبته.
وأُلحقت دار الآثار بوزارة المعارف العامة، وتقرّر عدم تعيين أيّ موظف في هيئة المستخدمين إلاّ بعد الفوز في امتحان تقيمه مديرية المعارف العامة والفنون الجميلة، وتألّفت لجنة لامتحان المرشّحين ووضع جدول بأسمائهم من مستشار المعارف العامة وأمين دار الآثار وأحد مفتشي التعليم. ووضعت إعتمادات في الموازنة اللبنانية لإنشاء المتحف الوطني، فبلغت، كما جاء في أعداد الجريدة الرسمية للجمهورية اللبنانية، 34426 ليرة لبنانية سورية عام 1934، و30.000 ليرة لبنانية سورية عام 1935، و45460 ليرة لبنانية سورية عام 1937. وفتح اعتماد في موازنة عام 1938 قدره 11103 ليرات لبنانية سورية لإكمال تشييده، وتمّ افتتاحه في 27 أيار عام 1942 بعد سبع سنوات من بدء البناء. وكانت المجموعة الأثرية في المتحف تتعزّز بمقدار التقدمات والهبات التي يحصل عليها المتحف، ولكنها فقدت الكثير من القطع إبّان الإنتداب الفرنسي بحجة إهداءات إلى متحف اللوفر.

وقد استمرّت موجودات المتحف بالزيادة، نتيجة الهبات والتبرعات والمكتشفات، وما كان يتمّ شراءه من عاديات، وكان المتحف يضمّ آثاراً تم اكتشافها في بيروت وبعلبك وصيدا وصور ومناطق أخرى من لبنان، وأصبح أبرز مؤسسة ثقافية في لبنان حتى الحرب الأهلية اللبنانية، عندما بادر مسؤولوه إلى حماية المجموعات النادرة، عبر تغطية قسم منها بطبقة كثيفة من الباطون المسلح، ونقل القسم الآخر خارج المتحف إلى مبنى من مصرف لبنان محصّن بجدران سميكة لا تخترقها القذائف، وحماية قطع الفسيفساء بعازل سميك من أوراق بلاستيكية مغلفة بالإسمنت.
وبالرغم من ذلك، فقد تعرّض مبنى المتحف للقصف، وأصيبت محتوياته بالتلف بسبب القذائف وعدم الصيانة وتسرب المياه المالحة، ويضاف إلى ذلك ما تعرّضت له الآثار بشكل عام نتيجة السرقة والهبات التي كانت تمنح في لبنان والخارج متخطية كافة الخطوط الحمر، في محاولة للكسب السريع على حساب ثروة لبنان الحضارية، بحيث توزّع عدد من الآثار في متاحف العالم ومخازن تجار الآثار، فضلاً عمّا سرقه جيش الإحتلال الإسرائيلي وما تمّ تهريبه، ممّا أضاع على لبنان والمتحف الوطني في بيروت عدداً كبيراً من الآثار التي لم يتمّ استرجاعها.
ورغم تلك المشكلات والعوائق التي أصابت الآثار في لبنان، والخراب الذي أصاب المتحف خلال الحرب الأهلية في لبنان (1975-1991)، فقد تقرّر إعادة ترميمه، وبدأت أعمال الترميم عام 1995 من قبل وزارة الثقافة اللبنانية والمديرية العامة للآثار ومؤسسة التراث الوطني، وتركّزت على إصلاح المبنى وترميم المحتويات.
وبدأت الحكومة اللبنانية حملة لإعادة القطع المسروقة من مخازن وبيوت بعض النافذين، واهتمّت المديرية العامة للآثار بجمع محتوياته وفهرستها، لعرضها في شكل عصري علمي حديث، ليعود للمتحف تألّقه بتقسيمات داخلية جديدة، وعوازل للصوت ومصاعد جديدة ونظام تكييف جديد يحفظ المحتويات من الحرارة والرطوبة. وأعيد افتتاح المتحف مجدداً بحضور رئيس الجمهورية إميل لحود في 8 تشرين الثاني 1999 بعد أن نقلت الموجودات إليه، وعرضت محتوياته بشكل جديد، بإشراف المديرية العامة للآثار التي تهتمّ بأعمال المتحف وعرض محتوياته وحفظ الآثار فيه وترميمها وتوثيقها، وعرض فيه أكثر من 1300 قطعة أثرية تعود لحقبات ما قبل التاريخ.
ولكنّ مشكلة سرقة الآثار والعجز عن مكافحتها لا زالت مستمرّة، بالرغم من إعادة بناء المتحف وتنظيمه وإخضاع تجارة الآثار إلى رخصة صادرة عن المديرية العامة للآثار، إذ استمرّت الآثار في لبنان عرضة لعوامل السرقة والنهب، حيث يقوم تجار الآثار ببيع ثروة لبنان بعد شراء المكتشفات بأسعار بخسة، من مواطنين فقراء يتخذون من القيام بعمليات حفر عشوائية وسيلة لجني بعض الأموال، ثمّ يبيعونها بأسعار باهظة. بالإضافة إلى قيام عصابات بالتنقيب وبيع آلاف القطع الأثرية وتحقيق أرباح هائلة، دون أن تتمكّن أجهزة مكافحة جرائم الآثار من ضبط جميع عمليات التهريب، وهذا ما يحرم المتحف من كثير من القطع الأثرية الهامة.
محتويات المتحف
يضمّ المتحف مجموعات من العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث ومن العصر البرونزي والعصر الحديدي والحقبات الهلنستية والرومانية والحكم العربي. ويشتمل على طبقتين، تضمّ الأولى طبقة أرضية مخصصة للفسيفساء وقطع صخرية بعضها كبير الحجم، ومحتويات من المرحلة الرومانية البيزنطية، ونواويس من القرن الميلادي الثاني، ونماذج لأشكال هندسية صخرية، ومحتويات تعود إلى الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، ومحتويات منسوبة إلى أشمون إله الشفاء عند الفينيقيين، وتماثيل مصرية، وناووس مرمري من مكتشفات بيبلوس وعليه نقوش فينيقية، وناووس أحيرام ملك بيبلوس، ونواويس تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وقطعة من خشب الأرز تعود إلى العام 41 قبل الميلاد.

أمّا الطبقة الثانية فتحتوي على موجودات حجرية ذات نقوش ومحفورات وتماثيل كبيرة الحجم، وموجودات فنية منمنمة الحجم، كالفخاريات والزجاجيات والحلي النادرة. ويعرض في هذه الطبقة موجودات تعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد، وأخرى تعود إلى العصر البرونزي، وصولاً إلى الفتوحات العربية فالمرحلة العثمانية.
وتضمّ هذه الطبقة نماذج خزفية: جرار فخارية من المرحلة الكالكوليتية، وعاجيات من العصر البرونزي المتأخر، وخزفيات من العصر الحديدي، وتماثيل طينية صغيرة من الحقبة الهلنستية، وأوعية رومانية، وكنوز ذهبية بيزنطية، وخزفيات وحلي إسلامية جميلة.ويعرض في المتحف واجهتان تشتملان على نماذج من القماش المصبوغ بالأرجوان، وآثار تعرّضت للتشويه بفعل الحرب الأهلية: بقع ذائبة من الزجاج، حجارة محروقة، قطع حديدية مفتولة، هي صورة عما اقترفته الحرب في التراث التاريخي اللبناني، عسى أن يشكّل منظر هذه الآثار صورة عن الهمجية والوحشية التي تحملها الحروب، ويكوّن عاملاً رادعاً يدفع اللبنانيين إلى عدم الإنجرار وراء ما يشوّه ويقضي على تاريخهم وتراثهم وحضارتهم وثقافتهم، فالآثار هي حكاية شعب وتاريخ وحضارة، ومن معايير الحكم على الشعوب إدراكها أنّ الآثار هي تعبير عن تراث وحضارة وهوية. فهل يدرك المعنيون في لبنان هذا الواقع ويعملون على صيانة الآثار من الهدم والعبث بدلاً من تدميرها وتهريبها والقضاء عليها؟

 

مجلة عيون بيروت


تحميل مجلة عيون بيروت PDF