مسلخ بيروت البلدي
مشكلة مكان... وتحديث
مسألة قديمة جديدة تشغل بال البيروتيين هي قضية المسلخ البلدي لمدينة بيروت، إذ ثمّة خبر يتمّ تداوله بين الناس حول نقله من المدوّر إلى طريق الجديدة، والخبر الذي يجري الحديث عنه أنّ هناك اقتراحاً تقدّم به بعض أعضاء المجلس البلدي بحجّة أنّ وجود المسلخ في المدوّر يعرّض المنطقة لأضرار صحية وبيئية...

هذا الإقتراح إذا صحّ يفتح قصة ملفّ المسلخ البلدي الذي يعاني أصلاً من مشاكل عدّة، أولاها عدم وجود مسلخ حديث يراعي الشروط العامة، بالإضافة إلى عدم وجود آلات حديثة وأجهزة تصريف ومختبرات ورقابة. فالمسلخ الذي أقيم على عقار تابع لبلدية بيروت في عام 1966 تعرّض لأضرار بالغة إبّان الحرب الأهلية، وأصبحت منشآته وتجهيزاته غير صالحة للعمل. وقد قام مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت خلال عام 1994 على أثر انتهاء الحرب، وفي سبيل إيجاد مسلخ يؤمّن عملية الذبح وتوزيع اللحوم، بإنشاء «هنغار» هو الموجود حالياً في منطقة المدوّر ليصبح ما يعرف اليوم باسم المسلخ المؤقت لمدينة بيروت.
بيد أنّ المؤقّت بقي ثابتاً، بسبب عدم استكمال الإجراءات لتنفيذ مسلخ عصري على أرض المدوّر والإكتفاء بالمسلخ القديم ومعداته التي تحتاج إلى تجديد، الأمر الذي جعله يفتقر إلى أبسط المستلزمات الضرورية المتوفرة في المسالخ العصرية، وهذا الواقع ينعكس بدوره على البيئة والسلامة العامة... لذلك لا بدّ من إقامة أبنية ومنشآت جديدة وحديثة مزوّدة بالتجهيزات الكافية واللازمة والمختبرات الضرورية لفحص اللحوم والتثبت من صحتها وسلامتها...
الخبر أثار استياء أبناء طريق الجديدة الذين تساءلوا أليست طريق الجديدة منطقة في بيروت الكبرى؟ أم تناسى من يملك مفاتيح العاصمة هذا الجزء العزيز من بيروتنا الذي قدّم أبناؤه الغالي والنفيس لخدمة هذه المدينة العظيمة على قلوبنا أجمعين؟ ...

وكان للمحامي ابراهيم صفصوف رأي حول هذا الخبر، فأشار إلى أنّ «منطقتنا «طريق الجديدة» ليست المكان المناسب لإنشاء المسلخ، لأنها سكنية بحتة بامتياز، إلاّ إذا كانت الغاية من وراء تداول هذا الإقتراح تهجير أهلنا منها وتغيير ديموغرافيتها وإحلال أسواق الغنم والبقر والماعز والجمال والأسماك فيها بدلاً من سكانها الأصليين الذين تمّ تهجير قسم كبير منهم إلى ضواحي بيروت، حيث وصلوا إلى منطقة الجية، وأصبحوا لا حول لهم ولا قوّة هناك».
وأشار صفصوف إلى أنّ اقتراح نقل المسلخ «مرفوض تماماً من أهل طريق الجديدة، وعلى من يفكّر بذلك، أن يزيله نهائياً من عقله وفكره الباطن، حتى لا يعيد مثل هذا الإقتراح ثانية، ونصل إلى ما تحمد عقباه».
ونحن في «عيون بيروت» تساءلنا حول صحّة هذا الخبر والأهداف من وراء طرح هذا الإقتراح؟ هل حصل ذلك فعلاً؟ وإن حصل هل يعني ذلك التعامل مع المدينة بمنطق الموقع الجغرافي والمناطقي؟ فإذا كانت القضية قضية موقع جغرافي، فإنّ الموقع في المدوّر هو صالح نظراً لعدم وجود مساكن بالقرب منه، والمسلخ يحتاج إلى مكان بعيد عن التلوّث، وقربه من الإسطبلات سوف يزيد من حجم المشكلات الصحية والإقتصادية، ويؤدي إلى بيئية وصحية ناتجة عن حشرات الخيل وعن الغبار المنبعث عند خروج الخيل من اسطبلاتها، فضلاً عن الإكتظاظ السكاني وانطلاق عوادم السيارات...
إنّ إقامة المسلخ في منطقة المدوّر قرب نهر بيروت هو الأمثل لأنه محايد من الناحية السكانية والبيئية، وعلى مسافة واحدة وقريبة من مرفأ بيروت حيث يتمّ استيراد المواشي وتوزيعها على مراكز التجميع في الشويفات والفنار، وعلى المزارع في المناطق اللبنانية كافة. كما أنّ توزيع اللحوم الصادرة من المسلخ هو على مسافة واحدة وقريبة من مناطق بيروت الكبرى، والضاحية الجنوبية وبرج حمود، وسن الفيل، والبوشرية والجديدة، والفنار وعين سعادة، وجلّ الديب وبياقوت، وغيرها......
وهنا نسأل هل يتمّ التغاضي عن هذا الواقع، واقتراح قرارات لا يكون هدفها سوى المزيد من الأذية للمدينة وأهلها؟ وهل طريق الجديدة هي مكسر عصا لكلّ من يريد أن يزيل المشاكل عن كاهله، فيعمد إلى زيادة معاناتها؟ وهل قيّض لهذا الجزء العزيز على قلوبنا من بيروت العاصمة أن يستمرّ في المعاناة وكأنها قدراً مكتوباً أم أنّ أهل الحلّ والربط كلّما أرادوا إزاحة مشكلة عن كاهلهم اتجهوا إلى طريق الجديدة لحلّها؟! ولماذا هذا التمييز في المعاملة وكأنّه مكتوب على هذه المنطقة أن تحمل الوطن بكامله على عاتقها؟ هل سيستمرّ مسلسل الإجحاف وإلى متى؟!
وتوضيحاً لهذه المشكلة وحقيقتها، التقت «عيون بيروت» عضو المجلس البلدي لمدينة بيروت، مروان شهاب، وسألته حول حقيقة هذا الإقتراح، فاعتبر أنّ «الموضوع سياسي مئة بالمئة، بينما البلدية تنظر إليه كموضوع إنمائي للمدينة وحضارتها ورقيها». وأكّد أنّ البلدية تريد تأهيل المسلخ في مكانه، وأنّه شخصياً مع بقائه في مكانه وتحديثه بحيث يصبح متطوّراً ويليق بالعاصمة: «نحن نصرّ على تأهيل المسلخ في مكانه بأساليب حديثة ومتطوّرة».

وأكمل شهاب بالقول: «بعض السياسيين يقولون أنّه يتسبّب بروائح كريهة ومشاكل بيئية وصحية، لكن ردّنا في لجنة الصحة البلدية أنّ تأهيل المسلخ سيجري بطريقة متطوّرة جداً ويراعي الشروط الصحية بعيداً عن أي مشكلات بيئية... بل على العكس، فإنّ إعادة تأهيله تلحظ معالجة المشاكل البيئية في المنطقة ومجرى نهر بيروت، بالإضافة إلى صرف بقايا اللحوم بطريقة حديثة جداً بحيث يمكن الإستفادة حتى من السوائل كأسمدة عضوية... ونحن في لجنة الصحة اقترحنا تأهيل المسلخ في مكانه مع بعض السياسيين، والمجلس البلدي تبنّى اقتراحنا».
وأشار إلى أهمية أن يكون للمدينة مسلخ حضاري ومتطوّر لخدمة مدينة بيروت وأهلها، وأن يكون في منطقة المدوّر بعيداً عن المناطق السكنية وقريباً من البحر، لأنّها «في الأصل مخصصة للمسلخ». وختم مؤكّداً العمل على تطوير المنطقة: «بالإضافة إلى المسلخ سوف نعمل على تنميتها، فنجعل فيها مساحات خضراء ومراكز تطويرية ومكتبة جامعة تفيد أهالي المنطقة، ونزيد الأماكن الترفيهية فيها ونساعد الناس».
«عيون بيروت» تناشد المحافظ ورئيس البلدية والمجلس البلدي معالجة قضية المسلخ بجدية، وجعلها أولوية، لأنّ عملية ذبح المواشي وتوزيع اللحوم ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها، فهي ضرورة عاجلة ترتبط بصحة المواطن وحياته، وتأمل إيلاء منطقة طريق الجديدة مزيداً من الإهتمام والرعاية...