أرشيف   |   إتصل بنا
عيون بيروت مجلة تعنى بالشؤون البيروتية - تصدر كل 15  يوماً ,لاستفسارتكم الرجاء الاتصال 01867559 او عبر البريد الالكتروني  oyoonbeirut@hotmail.com
 
المحتويات
الصفحة الرئيسية
تحقيق
اراء و مواقف
مقابلة
حدث
للنقاش
مؤتمر
شكاوى
حلول
معالم
بيئة و تراث
قضية
اعلام
خواطر
باقلامهم
رياضة
 

أبواب بيروت.. حكايات التاريخ والزمن

عائلة الوزان.. حاملة المفاتيح وضابطة الأوزان

 

 

كانت بيروت في العهد العثماني، قائمة على منحدر بشكل مربّع الأضلاع داخل سور يحيط بها، ما عدا بعض المناطق التي تدخل اليوم في نطاقها وكانت تعتبر من ضواحيها، إذ كانت البسطة والمصيطبة وبرج أبي حيدر وزقاق البلاط والقنطاري والباشورة والنويري والأشرفية تعتبر ضواحي لبيروت.
وكان يتخلل السور أو (الصور) كما يلفظه البيارته، ثمانية أبواب، وكان يمتّد من شمال الساحة، أي شمال «الهال» وشمال موقع السبيل الحميدي، وما عُرف فيما بعد باسم ساحة رياض الصلح وبمحاذاة حائط سينما كابيتول، ويتّجه نحو الشرق حتى كنيسة مار جرجس المارونية التي تقع داخل السور، ثم ينزل إلى سوق أبو النصر وهو سوق يقع خارج السور، حتى يصل حائط السور إلى بناية دعبول تجاه جامع السرايا المعروف اليوم باسم جامع الأمير منصور عساف، ثم ينحدر شمالاً إلى آخر شارع فوش الحالي عند الطرف الغربي لمنطقة المرفأ ومن هناك ينطلق غرباً باتجاه مقبرة السنطيّة التي كانت خارج المدينة وسورها، ولا يلبث أن يرتفع مع الشارع الممتد حالياً باتجاه باب إدريس ثم صعوداً حتى «الكبوشيّة» التي كانت أيضاً خارج السور، ويعود إلى المنطقة التي انطلق منها في شمالي ساحة رياض الصلح .
ويشير بعض المؤرّخين إلى أنّ هذا السور رافق المدينة منذ تأسيسها، ويرجعون تاريخه إلى عهد الكنعانيين والحثيين، ويؤكّدون أنّ الحفريات التي تناولت ساحة السور أثناء تخطيط الشوارع المحيطة بها كشفت عن بقايا السور الكنعاني الحثي، وبني السور بالحجر البتروني الممتاز، وهو حجر رملي شكله الهندسي غريب من نوعه، ويتناسب مع التصميم العسكري الذي كان يتّبعه الكنعانيون في بناء الأسوار حول مدنهم، وهو يختلف عن باقي التصاميم العسكرية، إذ أنّ واجهة السور كانت من الحجر وتعلوه أبراج متقاربة، ممّا يشير إلى قدم عهد المدينة.
وقد اشتهر هذا السور بوجود ثمانية أبواب تتخلّله وتسمح بالدخول والخروج منها، وهذه الأبواب كانت مصفحة بالحديد من الداخل والخارج بحيث تمنع أيّ معتدٍ من الدخول عنوة إلى المدينة وتخريب أمن أهلها، وعرفت تلك الأبواب باسم المناطق التي تقع فيها أو بأسماء الأشخاص الذين تولّوا حراستها لفترة طويلة من الزمن أو أقاموا قريباً منها، وتلك الأبواب هي:

1. باب الدركاه: وتعني بالتركية «باب الفندق» أو «باب القناق»، وكان عبارة عن باب عالٍ يقع في الجهة الغربية من شارع المعرض. وقد بناه الأمير فخر الدين المعني بحجارة جلبت من بيت مري. وكان الباب الرئيسي للمدينة، وصفّح بالحديد المطعّم بالنحاس، وقد أعدّ عند مدخله «قناق» لاستضافة كبار الزائرين، واتصل بالسراي بواسطة شارع عريض مبلط على الطريقة الإيطالية.
2. باب الدباغة: كان موقعه في الجهة الشرقية الشمالية من المدينة قريباً من الميناء، في مدخل محلة «الدباغة» أو «سوق الدباغين»، لذلك عرف باسم «باب الدباغة». وكان أكثر الأبواب ازدحاماً ويفتح عند صلاة الفجر من كلّ يوم ويقفل قبل غروب الشمس، وتسلكه قوافل التجار القادمين من الخارج، وقد اقيم أمامه مركز الدخولية لاستيفاء الضرائب على البضائع الواردة إلى المدينة والخارجة منها.
3. باب أبي النصر: كان يقع بالقرب من سوق أبي النصر، وقد رمّمه الشيخ عمر أبي النصر اليافي الذي وهبه السلطان قطعة أرض تمتدّ من الباب حتى خان البيض بني عليها فيما بعد سوق أبي النصر، وكان مرشداً للزاوية التي عرفت باسمه.
4. باب ادريس: كان موقعه في محلة باب ادريس بالقرب من زاوية الشيخ محمد أبو الطيب ادريس، وعندما شقّت الشركة الفرنسية طريق بيروت-دمشق عام 1859 تمّ هدم هذا الباب.
5. باب السنطية: ومعناه باب الأرض المقدسة، وموقعه قرب المقبرة السنطية التي دعيت باسمه. وبالقرب من هذا الباب كانت قوافل الحجاج المسيحيين تجتمع للتوجّه نحو القدس.
6. باب يعقوب أو بوابة يعقوب: كان هذا الباب يقع جنوبي بيروت القديمة، ويفضي إلى ساحة رملية فيها بعض أشجار الجمّيز، وهي الساحة التي عرفت آنذاك باسم «ساحة عصور». وقد اكتسب تسميته من شخص كان يسكن بالقرب منه، لكنّ هذا الشخص كان موضع خلاف بين المصادر، إذ نسبه البعض إلى يعقوب الكسرواني الذي كان يقيم في دار فوق الباب، ونسبه البعض الآخر إلى طبيب صيداوي يدعى «يعقوب أبيلا» سكن الدار المذكورة بعد أن أعطاه إياها والي عكا أحمد باشا الجزار.
7. باب السلسلة: كان هذا الباب يقع في الجهة الشمالية من المدينة ويربط بين برجي الفنار والسلسلة اللذين كانا يحميان الميناء. وقد سمّي باب السلسلة لأنّ سلسلة من حديد كانت تعترض الميناء. وعندما كان يتمّ شدّ السلسلة يصبح من غير الممكن دخول الميناء.
8. باب السرايا: أطلق عليه أيضاً اسم «باب المصلى»، وكان الباب الرسمي للمدينة وأحد أبواب بيروت المميزة، وفي حين كانت أبواب بيروت تقفل عند المغرب فإنّ هذا الباب كان يبقى مفتوحاً حتى صلاة العشاء. وسمي بهذا الإسم بسبب محاذاته لسراي الأمير فخر الدين قرب سوق سرسق، وكان موقعه قرب جامع الأمير منصور عساف لجهة البحر. بقيت ملامح هذا الباب إلى أن هدمته سلطات الإنتداب الفرنسي عام 1927 . ويشير كمال جرجي ربيز في كتابه «رزق الله عهيديك الأيام... يا راس بيروت» إلى تقاليد حماية المدينة التي تقوم على «أنّ كلّ عين من أعيان المحلّة مولج بأمر باب منها، ومكلّف بنفقة مصباح يعلّق إلى جانب الباب الخارجي ينيره عشية النهار، فيقفل الباب عند مغيب الشمس ويودع المفتاح عند متسلّم البلد حتى الصباح، وهكذا كلّ يوم».
وتشير المصادر إلى أنّ المتسلّم كان يسلّم المفتاح إلى «الوزان». والوزان وجيه من أعيان المدينة كان مكلفاً بمراقبة الموازين، وبالإجراءات الإدارية لمراقبة الأسعار وجودة البضائع عند التجار والصحة العامة. وقد توارثت عائلة الوزان البيروتية العريقة هذه المهمة، فكانت المفاتيح توضع عند أحد وجهائها الذي يتمّ اختياره لتسلّم هذه المهمة من المساء حتى صباح اليوم التالي.وفي العيد الكبير، أو عيد الأضحى، كان على مسؤولي هذه الأبواب وهم من الأعيان، تقديم ذبيحة للوزان من المواشي ليضحي بها يوم العيد. وقد اعتبرت مهمة الحفاظ على هذه الأبواب شرفاً بسبب الخدمات التي يمكن تقديمها للمدينة، لا سيما لجهة إنارة المصابيح. وهذا الواقع، يشير إلى النشاط الهام الذي قامت به بعض العائلات البيروتية في حماية المدينة وتأمين سلامتها، وإلى قدرة هذه العائلات على القيام بدور كبير في التشكيل الإجتماعي الذي تميّزت به المدينة على مرّ التاريخ، فأضفى عليها سحراً بالغاً شهد على تميّز ساهم في ابتكارها على نحو فريد، وأضفى عليها روحاً متحرّكة سرعان ما أصبحت جزءاً من النسيج الحراكي للمدينة التي أظهرت قدرة على التطوّر التلقائي.

 

 

مجلة عيون بيروت


تحميل مجلة عيون بيروت PDF

 

 

 

لمزيد من المواضيع