المراهنة على الخيل هواية يمارسها بعض المدمنين على المقامرة، الذين يجدون في المراهنة على الأحصنة متعة ووسيلة للّهو وربح المال، متخذين من الحديث الشريف مثالاً: «الخيل معقود بنواصيها الخير»، على أساس أنّ الحظ وربح أموال وفيرة قد يأتيهم من خلال الرهان على جواد أو أكثر، ولكنّ الكثيرين منهم يفاجأون بأنّهم يخسرون ما يملكون وربّما أكثر ممّا يملكون!
كثيرون ممّن يقامرون يعتبرون المراهنة على الخيل فعل ونشاط إجتماعي وإقتصادي، على أساس أنّ ميدان السباق هو مكان للإجتماع بأصدقائهم من المراهنين وتبادل المعرفة بعالم السباق، ومجالاً للتعارف والتسلية والتلاقي. ويعتبرون أنّ المراهنة تؤدّي إلى تفعيل الدورة الإقتصادية نتيجة الأموال التي توضع على المراهنات وتساهم في توفير عدد من فرص العمل.
البعض منهم ينتمي إلى فئة من فقراء الحال ومحدودي الدخل والمساكين الباحثين عن ربح سريع، وبينهم موظفون وكثير من سائقي السيارات، يأمل أن يلعب الحظ لعبته في إنهاضه من بؤسه، ويراهن على الربح وتصبح حياته معلّقة على ما سيربحه، على أساس أنّ المقامرة على الخيل هي طريقة لكسب العيش والحلم بالغنى، فيرهن ما يكسبه.
المراهنات تجري عند أكشاك مخصصة للمراهنين البسطاء، أو عبر وسطاء بالنسبة للأثرياء الجالسين في صالة الضيافة، ومن الأمور المشتركة بين هاتين الفئتين هي الترجيحات على الخيول صاحبة الحظ، المتوقّع فوزها. وحين تعلو صافرة بداية السباق، يتوقّف الزمن بالنسبة للمراهنين، وتتقوقع الدنيا بالنسبة لهم في بطاقة الرهان. وفي النهاية، ترتفع صيحات الإبتهاج من البعض، بينما يخيم الوجوم على وجوه معظم الباقين، لكنّ القاعدة من يفشل مرّة، تكون له محاولات أخرى تؤدّي إلى خسارات أخرى... بدون أن يدركوا أنهم يحطمون بورقة الرهان استقرارهم الشخصي والعائلي، أو أنّهم يذهبون بأموالهم إلى جيوب المنتفعين الذين اعتبروا ميدان السباق ملكية خاصة فاحتكروها، وبنوا فيها اسطبلات خاصة يقومون بتأجيرها لمن كان صاحب حظوة، فينتفعون بعائدات بدون وجه حقّ على حساب واردات المدينة وأهلها!
هذا الوضع غير قانوني، ويساهم في تراجع العائدات والأداء، بسبب احتكار فئة محدّدة للميدان واسطبلاته، حيث الميدان أصبح امتيازاً لجمعية حماية وتحسين نسل الجواد العربي التي يستند عدد من أفرادها إلى قوّة سياسية معروفة استولت على الأرض باسم الميدان، فبنت بتغطية من سياسيين معروفين ومستفيدين، وبغير وجه قانوني، اسطبلات باعتها إلى عمّال يقومون بتأجير البوكس الواحد بمائة وخمسون دولار أميركي شهرياً، وأصحاب هذه البوكسات يستفيدون بشكل كامل من إيجارتها. ويظهر ذلك من خلال الأرقام التالية:
1. اسطبل النائب ميشال فرعون: يستثمر 119 بوكساً
2. اسطبل النائب نبيل دو فريج: يستثمر 79 بوكساً ويقال أنّه وأضاف إليهم 59 بوكساً، باع منهم ما باع، مع أنّه يملك أقلّ من 15 حصاناً
3. اسطبل جورج وجوزيف المشرقي: 25 بوكس
4. اسطبل محمد القطامي: 36 بوكس، تمّ تأجير 10 بوكسات منها.
5. اسطبل طوني خوري: 9 بوكسات
6. اسطبل روجيه كرم: 20 بوكس
7. اسطبل مزرعاني: مؤجّر بالكامل.
8. اسطبل مفيد ريفي، المستفيد الأكبر.
9. اسطبل مضر شوكت.
10. اسطبل عساف: مؤجّر بكامله.
11. اسطبل جوزيف صحناوي: اشتراه في أواخر عام 2009 من مصباح كنفاني، وهو يستثمر 27 بوكساً، ويملك فقط 10 خيول.
هذه الأرقام تؤكّد عملية وضع اليدّ على أملاك الميدان واستثماره لمصالح شخصية، وهذا الواقع يتعارض مع مطالعة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل الصادرة في 18 آب 1993 بمنع إنشاء أو تأجير إسطبلات في الميدان، ومع الإنذارات الصادرة عن محافظ بيروت، والذي حدّد بموجبها مهلاً لإزالة المخالفات، ولكنّ لا حياة لمن تنادي، لأنّ واضعي اليدّ على الإسطبلات يحقّقون مكاسب كبيرة، ممّا يمنحهم رغبة في التمادي في استغلال الميدان بشكل مخالف للتشريعات والإنذارات. وهذا الأمر يظهر للعيان حقيقة صارخة تؤكّد أنّ وضع سباق الخيل في بيروت غير قانوني، وأنّ جميع محاولات قوننته لم تنجح حتى الآن، وبالتالي فإن مداخيل كبيرة تخسرها الدولة بدون مبرّر، بينما بالإمكان الإستفادة من هذا المورد وتحويله الى معلم سياحي بارز يمكن من خلاله التمتّع بجمال الميدان وبأداء أحد اجمل المخلوقاتوالمشاركة في نشاط مبهج.

وقد نمي إلى «عيون بيروت» أنّه قد جرى اجتماع في المجلس البلدي بين اعضاء المجلس البلدي ومدير ميدان سباق الخيل للتباحث بشأن الميدان، وقد قال المدير : «اعطونا 15 مليون دولار ونترك السباق».
لكن ما يثير التساؤل عن السكوت المتمادي حول جملة من المخالفات، ممّا يطرح ضرورة الثورة على الميدان على غرار ثورة الميادين التي تحصل في البلاد العربية بسبب الفساد والهدر والتسلّط واستغلال المال العام.
وهنا لا بدّ من التوجّه إلى الإدارة البلدية ومجلس بلدية بيروت، كونهما المعنيان بملكية أرض الميدان التي تعود للبلدية، والتي تبلغ مساحتها 219000 مترمربع، والتمني عليهما استغلال وإدارة الأرض بما يدرّ على المدينة عائدات كبيرة، فاللجنة القائمة بالميدان حالياً تستغل الملكية بدون مسوغ قانوني، والعقد منتهي الصلاحية والرقابة والمساءلة غائبة والأموال المهدورة لا يمكن حصرها والممارسات غير القانونية داخل الميدان لا تعد ولا تحصى وسط غياب تام لأعمال الرقابة والمحاسبة والمساءلة.
وهنا نتساءل هل أصبح الميدان أسير النفوذ السياسي والقوى والحسابات السياسية؟ وأين دور وزارة الداخلية وهي وزارة الوصاية؟ وأين الدولة بأجهزتها؟ ومن يحمي المنتفعين؟ وهل دولة ميدان سباق الخيل أقوى من الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟
أسئلة كثيرة مطروحة تحتاج إلى أجابات، فهذا الملفّ كبير، ومحتوياته كثيرة، وتنبعث منها روائح الفساد المستشري، والمخالفات التي تحصل من تأجير غير مشروع للبوكسات وبمبالغ طائلة والهدر الحاصل مسلسل مستمر ويتطور وآخر وجوه عمليات الإحتيال الجديدة التي تحرم بلدية بيروت المداخيل وهي عمليات المراهنة الجديدة لسباقات الخيل في فرنسا وبريطانيا والتي تنقل مباشرة عبر الإنترنت للجمهور اللبناني حيث يقوم القائمون على ميدان سباق الخيل بإجراء المراهنات على هذه الخيول وقبض المراهنات ودفعها، والفرق الوحيد أنّ النسبة تدفع على أساس حجم المراهنات المحلية والدفع بالليرة اللبنانية بدل اليورو، ممّا يحرم بلدية بيروت ومربي الخيول في لبنان المداخيل، ويساهم في إحجام المراهن اللبناني عن ممارسة هوايته في ميدان سباق الخيل.
إنّ الممارسات غير القانونية تستدعي من المعنيين التدخل لإحداث تغيير في ميدان سباق الخيل أسوة بكل الميادين، ووقف سيل الأموال إلى جيوب المنتفعين، مع الأمل أن تبادر الدولة والوزارات المعنية والبلدية برفع الظلم وتطبيق القوانين ووقف ممارسة دولة الميدان قبل أن تنطلق ثورة الميدان.