
بين
8 و21 تشرين الثاني
1943، عاش لبنان
أياماً مجيدة، كان
فيها الكثير من
الجهاد والنضال
والصبر والتحدي. ففي
الثامن من هذا
التشرين، ذهب المجلس
النيابي في تحدّي
سلطات الانتداب
الفرنسية إلى المدى
الأخير، حينما أقرّ
في هذه الجلسة
التاريخية التعديلات
الدستورية التي
قرّرتها الحكومة
الاستقلالية الأولى
والتي تلغي كلّ
المواد الانتدابية من
الدستور.
كانت ردّة الفعل
الفرنسية الاستعمارية
عنيفة بإقدامها على
اعتقال رئيسي
الجمهورية والحكومة
بشارة الخوري ورياض
الصلح والوزراء: كميل
شمعون، عادل عسيران،
سليم تقلا، والزعيم
الوطني النائب عبد
الحميد كرامي، إضافة
إلى تعليقها للدستور
وحلّ البرلمان، فكان
ذلك يعني أنّ المعركة
الاستقلالية ذهبت إلى
مداها الأقصى في
المواجهة، فتحرّك كلّ
لبنان من أجل السيادة
الحقيقية والاستقلال
الوطني، وكان لبيروت
دورها الوطني المميّز
والرائد في حسم معركة
المصير الوطني.
استيقظت بيروت كما
يقول منير تقي الدين
على نهار أحمر ففاق
الناس مذعورين وطفقوا
يسأل بعضم بعضاً عن
النبأ متنادين من
الشرفات والنوافد من
بيت الى بيت، خرجوا
مهرولين الى كل مكان،
ليقوم كل بواجبه
الأولى نحو وطنه
ورجاله.
اتخذ القرار السريع
في بيروت بالاضراب
العام وبكر التاجر
الى مخزنه لا ليفتحه
بل ليحكم اقفاله،
وبكر العامل الى محل
عمله أو مصنعه ليدعو
زملاءه ورفاقه الى
الإضراب، وبكّر
الطالب الى مدرسته أو
جامعته ليؤلف أو
يشارك في تظاهرة،
وليدعو الى الإضراب.
كل عامل في بيروت كان
مضرباً، وكل متجر
مقفل، وكل مدرسة
مضربة.. كل شيء في
بيروت كان معطلاً
احتجاجاً، ثم أخذت
الجماهير تندفع من كل
صوب، لتلتقي في قلب
المدينة – العاصمة.
في ذلك الصباح اندفعت
الجموع البيروتية
التي كانت تصب فوقها
الجموع المندفعة من
كل لبنان نحو منزلي
الرئيسين الخوري
والصلح والوزراء
والنائب كرامي،
مظهرين سخطهم وغضبهم،
ووجدت الجماهير
الغاضبة في طريقها
سيارات الفرنسيين
فانقضت عليها تعمل
فيها حرقاً وتحطيماً.
وأمام حالة الثورة
والغضب التي عمّت
شوارع بيروت، أنزلت
السلطات الانتدابية
القوات السنغالية
فاحتلت الشوارع
الرئيسية، وطوّقت
مبنى مجلس النواب،
وهاجمت الدبابات
والجنود الجماهير
المتظاهرة في البسطة
ومحلة السور وطريق
الحرج، كما هاجمتها
في ساحة الشهدءا،
وباب ادريس وطريق
النهر ورأس بيروت،
ورأس النبع.
في هذا الوقت، كان
النواب ومن بقي من
الوزراء وهم: نائب
رئيس مجلس الوزراء
حبيب أو شهلا ووزير
الدفاع الأمير مجيد
ارسلان يلتقون في
منزل رئيس الجمهورية
في القنطاري، فتقرر
في هذا اللقاء أن
تمضي الهيئتان
التشريعية والتنفيذية
في عملهما. وأن يقوم
الوزيران أبو شهلا
وإرسلان بمهام رئيس
الجمهورية ومجلس
الوزراء عملاً
بالمادة 62 من
الدستور، وأن يقوم
الوزيران بأعباء
الوزارات الأخرى.
كما وجه رئيس مجلس
النواب دعوة خطية الى
النواب لعقد جلسة
مستعجلة في العاشرة
صباحاً، فحمل أوراق
الدعوة حجاب المجلس
وبعض موظفيه وراحوا
يطوفون على منازل
النواب ليبلغوهم
إياها.
في هذا الوقت، كانت
الجماهير قد احتشدت
في ساحة النجمة
والشوارع المحيطة
بها، فيما كان رئيس
المجلس النيابي
والنواب: صائب سلام،
هنري فرعون، ومحمد
الفضل، ومارون كنعان
قد دخلوا المجلس،
فيما كان السنغاليون
يمنعون النواب الذين
يتوافدون من الحضور،
ومن استطاع الدخول
هما النائبان سعدي
المنلا ورشيد بيضون،
ولدخول هذين النائبين
قصة تروى.
ذلك أن نائب طرابلس
المنلا، أراد الدخول
من الباب الكبير،
فمنعه السنغاليون
فتوجه الى نافذة في
مكتب الرئيس، وأشار
النواب القلائل في
الداخل الى الجماهير
بحمله على الأكتاف،
وهنا اندفع جندي
سنغالي يريد بالنائب
المنلا شراً، فاندفع
من بين الجماهير
البطل الرياضي حسين
سجعان فوثب على
الجندي ودق عنقه في
يديه، فيما تعاون
النواب في داخل
المجلس والجماهير
لإدخال المنلا.
أما النائب رشيد
يبضون، فأراد جندي
فرنسي منعه من الدخول
الى قاعة البرلمان،
فكان أن لكمَ النائب
بيضون الجندي ورماه
أرضاً، واندفعت الناس
تحيي عمل النائب الذي
دخل الى المجلس،
ليصبح عدد النواب في
داخل المجلس سبعة
نواب، فشرعوا بعد أن
تأكدوا من عدم تمكن
النواب الآخرين من
الداخل، الى تغيير
العلم اللبناني، الذي
تولى رسمه النائب
المنلا.
فيما بعد اقتحمت قوة
فرنسية مبنى البرلمان
وأكره رئيس المجلس
والنواب والموظفون
على الخروج عنوة،
فسارت وراءهم تظاهرات
شعبية عارمة، وشقوا
طريقهم الى منزل رئيس
الجمهورية، وهنا بدأت
السلطات الفرنسية
تركز مدافعها الرشاشة
على المنازل المجاورة
لمنزل رئيس
الجمهورية، وتطلق
الرصاص بشكل عشوائي،
مما فرض مواجهات بين
المتظاهرين أدت الى
مصرع جندي فرنسي.
وهنا قرر النواب
الانتقال الى نقطة
أقل تعرضاً للخطر،
فوقع الاختيار على
دارة النائب صائب
سلام، وهكذا تحرك
النواب فرادى أو
إثنين إثنين حتى لا
يثيروا الشبهات.
في دارة آل سلام في
المصيطبة، وضع محضر
أول جلسة عقدها مجلس
النواب إبان
الانتفاضة
الاستقلالية خارج
مبنى الندوة النيابية
ووقع النواب الذين
زاد حضورهم عن
الأكثرية النيابية
المطلوبة، وهي 28
نائباً، إذ بلغ عدد
الموقّعين 33 نائباً.
في ذلك اليوم، أعلنت
سلطات الانتداب منع
التجول بدءاً من
الساعة السادسة مساء.
وفي اليوم التالي،
عقدت جلسة نيابية في
نفس الدار، وزاد عدد
النواب الذين جاءوا
من المناطق، فوقّعوا
محضر جلسة اليوم
السابق، وأدرك الجميع
أن الحكومة مطاردة،
فكان القرار بانتقال
ما بقي من الحكومة،
الى مكان آمن، أي
حبيب أبو شهلا
والأمير مجيد ارسلان
ومعهما رئيس المجلس
النيابي صبري حمادة
الى بشامون، حيث
اختارت الحكومة بيت
حسين الحلبي مقراً
لها.
في هذا الوقت استمرت
بيروت، على حركتها
وحيويتها، سواء
لناحية الإضراب
العام، أو لجهة
المظاهرات التي لم
تهدأ في الشوارع
والأحياء، مع ما يحفل
بها من صدامات مع
القوات الفرنسية.
وبينما كانت البسطة
تخوض معركتها حيث خاض
الأهالي معركة طاحنة
مع القوات الفرنسية،
بعد أن حاصر الجنود
المواطنون لأربعةأيام
في بيوتهم، كانت محلة
الجميزة تشهد معركتها
الوطنية.
وكان للمرأة في بيروت
دورها الوطني، اذ
وحدت النساء صفوفهن
ونزلن الى الشوارع
متظاهرات ومحتجات على
الانتداب، وسرن في
مظاهراتهن نحو
مطرانية الروم
الأرثوذكس، ومنها الى
مدرسة الحكمة، كما
قصدن مفتي الجمهورية
الأكبر الشيخ محمد
توفيق خالد، وهنا
حاولت قوة فرنسية من
الجنود السنغال
قمعهن، فوقعت مواجهة،
حادة، ويسجل أن إحدى
السيدات المتظاهرات
خاطبت باللغة
الفرنسية احد الضباط
الفرنسيين قائلة:
لماذا أتيتم بهذه
القوات، أذهبوا الى
بلادكم وحرروها من
نير الأجنبي الألماني
الذي احتل عاصمتكم..
هناك أظهروا رجولتكم.
وهنا فوجئت بصوت
جهوري، يقول: "انت
على حق سيدتي".. كان
هذا الصوت، هو صوت
المفتي محمد توفيق
خالد الذي تصدى
للضابط الفرنسي
بقامته وهيبته،
داعياً المتظاهرات
للدخول الى داره في
المصيطبة، ليبقى
وحيداً في مواجهة
الفرنسيين والسنغال
الذين اضطروا
للإبتعاد عن دارة
المفتي أكثر من مئتي
متر.
ويسجّل أن مواقف
المفتي محمد توفيق
خالد، أعطت للإنتفاضة
الاستقلالية بعدها
الوطني، ويسجّل ان
سماحة المفتي كانت
وقفاته هادئة إنما
ثابتة ومنطقية... فقد
كان لا بد في تلك
الفترة من مواجهة
تيارات مضادة كانت
تعمل لكي تظهر ان
الثورة ضد فرنسا هي
ثورة إسلامية، وكان
على المسلمين آنئذٍ
أن يواجهوا هذه
التيارات ويفهموا
فرنسا أن الثورة هذه،
هي ثورة وطنية، ثورة
من أجل الاستقلال
التام، وهي رغبة
المسلمين منذ العام
1926 رغبة عبّرت عنها
مذكرة وجّهها سماحته،
الى الرئيس إميل إده
في ذلك الوقت رداً
على طلب الرئيس معرفة
رأي الطائفة
الاسلامية في معاهدة
1936 بين فرنسا
ولبنان.
كان لبيروت في الأيام
التي امتدت بين 11
و22 تشرين الثاني
1943 الدور المؤثر
والعظيم في أن يفرض
اللبنانيون على قوات
الانتداب الفرنسي
الإفراج عن رئيسي
الجمهورية والحكومة
والوزراء والنائب
كرامي، ليتكرّس ذلك
اليوم عيداً وطنياً،
تكرّس فيه الاستقلال
اللبناني. |