هو الشيخ مصطفى بن محيي الدين بن مصطفى بن عبد القادر نجا البيروتي الشاذلي اليشرطي الشافعي. ولد في بيروت في 27 رمضان سنة 1269 هـ الموافق 4 تموز سنة 1853 م، من عائلة اشتهرت بالصلاح والتقوى. قرأ القرآن الكريم على الشيخ حسين شومان، وجوّده مع أحكامه على الشيخ حسين بن موسى شرف الدين المصري الأزهري المتوفى ببيروت سنة 1327 هـ. وتلقّى العلوم العقدّية عن العلاّمة الشيخ عبد الباسط بن علي الفاخوري البيروتي مفتي بيروت المتوفّى سنة 1324 هـ، والفقه واللغة عن الشيخ يوسف بن عبد القادر الأسير الصيداوي ثمّ البيروتي الشافعي المتوفّى سنة 1307 هـ، والعلاّمة الأديب الشيخ ابراهيم بن علي الأحدث الطرابلسي الحنفي المتوفّى سنة 1308 هـ، والشاعر الشيخ عمر بن محمد ديب الأنسي البيروتي المتوفّى سنة 1293 هـ. وروى الحديث عامة عن الشيخ العلاّمة عبدالله بن إدريس السنوسي المتوفّى سنة 1350 هـ، والشيخ محمد بدر الدين الحسني الدمشقي المتوفّى سنة 1354 هـ. وقد ذكر روايته عن السنوسي الشيخ عبد الحفيظ القاسي في معجم شيوخه، وذكر روايته عن البدر الحسني الشيخ محمود بن رشيد العطار في ترجمته له.
أخذ الطريقة الشاذلية اليشرطية عن الشيخ المعمّر علي نور الدين بن أحمد اليشرطي الشاذلي المتوفّى سنة 1316 هـ، أخذها منه سنة 1297 هـ، والشيخ علي أخذها عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن حمزة ظافر المدني، وهو عن الشيخ الشريف أبي أحمد العربي الدرقاوي بسنده المشهور، وذكر العلاّمة البيطار في حلية البشر أنّ اليشرطي أجازه سنة 1304 هـإجازة عامة وأذن له بتلقين الذكر.
وُجِّهت له رتبة إزمير من الأستانة سنة 1324 هـ، وتولّى إفتاء بيروت بعد وفاة الشيخ الفاخوري سنة 1327 هـ. له من المؤلفات: فتاويه في ثلاث مجلّدات محفوظة في مكتبة دار الفتوى، وديوان شعر، وشرح على الصلاة المشيشية، وشرح على الوظيفة الشاذلية أسماه: كشف الأسرار لتنوير الأفكار، والاستغاثة السنية برجال أهل سلسلة الطريق الشاذلية العلية، ونصيحة الإخوان بلسان الإيمان، وأرجوزة في التربية والتعليم، وتفسير جزء عم، وإرشاد المزيد لأحكام التجويد، وقصّة المعراج، وفرائد الفوائد على المقاصد، ومولد أسماه: فرائد المواهب اللدنية في مولد خير البرية، ومولد آخر أسماه: مورد الصفا في مولد المصطفى، وبيان مشروعية الحجاب.
توفي المفتي نجا ببيروت فجر يوم الأحد الثالث والعشرين من رمضان سنة 1350 هـ الموافق الأوّل من شباط سنة 1932 م، عن عمر يناهز إحدى وثمانين سنة إلاّ أربعة أيام.

إنّ سيرة الشيخ مصطفى نجا الذاتية في جوانبها العامة جزء من تاريخ بيروت في نهضتها الحديثة. وكان يقول لمن يرشحونه للفتوى: «ذروني في شغلي أسعى لرزق عيالي وأريحوني من متاعب هذا المنصب، فقد تغيّر الزمان وأهله ولست من الذين إذا وسّد لهم هذا الأمر ينصرفون إلى الراحة، بل لا بدّ من القيام بحقّه من كلّ وجه والقيام بمصالح عباد الله، وهي في ذمّتي إذا قصّرت عنها».
وعندما أعلنت سلطات الانتداب الفرنسي قيام الكيان اللبناني بحدوده الحالية عام 1920، أراد الجنرال غورو أن يسترضي المسلمين كي يقبلوا بتجزئة البلاد السورية والموافقة على هذا الكيان الذي فرض عليهم رغماً عنهم، فزار الشيخ مصطفى نجا في دارته وعرض عليه لقب مفتي دولة لبنان الكبير بدلاً من لقب مفتي بيروت معتقداً أنّ هذا اللقب الفضفاض سيفتح شهية المفتي على التعاون مع السلطات الفرنسية ويغريه بالسير في ركاب الانتداب، وبذلك يسهّل استدراج المسلمين إلى سلوك نفس الطريق. إلاّ أنّ تفاؤل غورو لم يكن في محلّه ذلك أنّ الشيخ مصطفى نجا اعتذر عن عدم قبوله بما عرض عليه، لأنّه صادر عن سلطة أجنبية غير إسلامية وتمسّك بلقب مفتي بيروت الذي حصل عليه من السلطان العثماني «محمد رشاد» صاحب السلطة الشرعية بوصفه الخليفة الأعظم أمير المؤمنين.وعندما رفض الشيخ مصطفى نجا الاشتراك بالاحتفال الذي أقامه غورو بقصر الصنوبر يوم أعلن لبنان الكبير، فإنّ غورو هدّده بالنفي إلى جزيرة كورسيكا إن هو أصرّ على الرفض، الأمر الذي حمل وجهاء المسلمين على إقناعه بالحضور حرصاً على راحته وتجنباً للمضاعفات الخطيرة التي كانت ستحصل لو أصرّ كلّ من الطرفين على موقفه.
وخلال الحرب العالمية الأولى انحسرت جميع النشاطات في بيروت وباقي أملاك الدولة العثمانية، واتخذت السلطات بعض الإجراءات التي أدّت إلى توقف حركة التعليم في المدارس الاجنبية ومدارس المقاصد الاسلامية. ولمّا وضعت الحرب أوزارها ودخلت البلاد تحت الاحتلال الفرنسي، بادر الشيخ نجا إلى بعث جمعية المقاصد من جديد، فوجّه كتاباً إلى سلطات الانتداب طلب فيه إعادتها إلى سابق عهدها وتسليمها جميع منشآتها وأوقافها الخيرية والترخيص لها بافتتاح مدارسها التي أغلقت خلال الحرب.وقد استجاب الحاكم الفرنسي لهذا الطلب وأصدر قراراً بإعادة الجمعية وتسليمها جميع ما كانت تملكه من عقارات وأوقاف والترخيص لها باستئناف العمل في مدارسها.
وفي عشرين رمضان سنة 1932 شعر الشيخ مصطفى نجا بأنّ صحته لا تمكّنه من مزاولة أعماله العادية، فلزم داره. وكان آخر عمل قام به قبيل وفاته بساعات قليلة خدمة مواطنيه وقضاء مصالحهم.