وثيقة التبليغ في ظل قانون ظالم
في قانون أصول المحاكمات الجزائية
نصّت المادة 148 على ما يلي:
«إذا لم يكن للشخص المطلوب إبلاغه محل إقامة أو سكن، أو إذا لم يجد مأمور التبليغ من يتبلّغ عنه في محلّ إقامته أو سكنه، فيجري تبليغه بإلصاق نسخة عن وثيقة التبليغ على باب سكنه الأخير بشكل ثابت وبتسليم نسخة ثانية عنها إلى المختار التابع له سكنه الأخير وبإلصاق نسخة ثالثة على باب المرجع القضائي الآمر بالتبليغ على مأمور التبليغ أن يدوّن هذه الإجراءات على النسخة الأصلية من الوثيقة ويردها إلى مرجعها...».
يبدو أنّ المشترع اللبناني، عندما سنّ هذا القانون وتحديداً المادة المذكورة أعلاه، قد سها عن باله ما قد تعتريه هذه المادة من ثغرات عند تطبيقها. فمن خلال ممارستنا لمهنة المحاماة، وجدنا أنّ المادة 148 جاءت مجحفة بحقّ الشخص المطلوب إبلاغه (المدعى عليه) وفقاً لما سنذكره تباعاً.
على سبيل المثال الذي يعكس واقع الحال، إذا أراد شخص ما الإنتقام من غريمه، وكان هذا الأخير موجوداً خارج الأراضي اللبنانية، يتقدّم الأوّل بدعوى جزائية ضدّه دون أن يذكر في شكواه أنّ المدعى عليه مسافر حتى لا يضطر أن يبيّن عنوانه في الخارج، فيكتفي المدعي بذكر عنوانه في لبنان حيث لا يوجد فيه أحد، ويذهب مأمور التبليغ (المباشر) إلى العنوان المذكور في الشكوى لإبلاغه موعد جلسة محاكمة ولا يجد أحداً في محل إقامة المدعى عليه، فيشرح المباشر على وثيقة التبليغ «لم يتبلغ لعدم العثور»، ويعيد مأمور التبليغ هذه الوثيقة ويضمها إلى ملف الدعوى.
وبتاريخ انعقاد الجلسة يطلب المدعي إبلاغ المدعى عليه موعد الجلسة لصقاً لعدم العثور عليه، فيجري تبليغه بإلصاق نسخة عن وثيقة التبليغ على باب سكنه الأخير (والذي قد لا يكون الأخير) بشكل ثابت وبتسليم نسخة ثانية عنها إلى المختار التابع له سكنه الأخير، وبإلصاق نسخة ثالثة على باب المرجع القضائي الآمر بالتبليغ.
وبتاريخ انعقاد الجلسة الثانية، وبعد التثبت من إبلاغ المدعى عليه لصقاً، يطلب المدعي محاكمة المدعى عليه المسافر غيابياً، فتقرر المحكمة بناء لطلب المدعي محاكمة المدعى عليه ويصدر بعدها حكماً غيابياً بحقه دون أن يدلي بدفوعه ودفاعه المنصوص عنه في الدستور، ويرسل كاتب المحكمة خلاصة الحكم الصادر بحقّ المدعى عليه للتنفيذ (السجلّ العدلي والنشرة القضائية) ويعمّم عنه لدى جميع المراجع الأمنية، ومنها المديرية العامة للأمن العام. وكلّ هذه الإجراءات والمحاكمات أدّت إلى إدانة المدعى عليه دون أن يعلم بماهية الجرم المنسوب إليه ودون أن يدرك أنّه ملاحق قضائياً.
ولدى عودة المدعى عليه من الخارج ووصوله إلى الحدود اللبنانية، وتحديداً مركز الأمن العام، يتمّ توقيفه إنفاذاً لخلاصة الحكم الصادرة بحقه والمعمّم عنها، فإذا تبيّن في ملفّ الدعوى أنّ المدعى عليه قد جرى إبلاغه وفقاً للأصول وانقضت مهلة الاعتراض (عشرة أيام من تاريخ التبليغ لصقاً) والإستئناف (خمس عشرة يوماً من تاريخ التبليغ لصقاً) فلم يعد أمام المدعى عليه سوى إنفاذ الحكم الغيابي الصادر بحقه والذي لم يشارك في جلسات المحاكمة لإبداء حقّ الدفاع المكرّس قانوناً، وربما هو بريء من الجرم المساق بحقه، إنما لظروف قاهرة وخارجة عن إرادته حالت دون استطاعته من ممارسة حقوقه الدفاعية، الأمر الذي دفع ببعض المحاكم «المشكورة» إلى الأخذ بعين الاعتبار هذه المعضلة والسماح للمدعى عليه بالإعتراض على الحكم الغيابي بالرغم من إبلاغه إياه لصقاً وانقضاء مهل الطعن فيه، إلاّ أنّ محاكم أخرى ما زالت تطبّق أحكام المادة 148 بحذافيرها فيكون حكمها مجحف وجائر بحق المدعى عليه المسافر والغير عالم بكلّ تلك الإجراءات.
من هنا، وانطلاقاً من الواقع المرير الذي يعاني منه أصحاب الشأن، نجد أنّه من الضروري الإسراع في حثّ المشترع على تعديل نصّ المادة 148 من قانون أصول المحاكمات الجزائية للحفاظ على مصالح وحقوق المعنيين من البعض الذين يستغلون النقص الحاصل في المادة المذكورة لمطامعهم الشخصية، لأنّ القانون وضع «للمواطن» لا «على المواطن»، ولحمايته لا للحماية منه.
المحامي إيلي ميشال قهوجي
عقد البيع الممسوح:
هل ستستجيب لجنة الإدارة والعدل وتقترح تعديلاً للقانون
سبق لنا أن أشرنا في أعداد سابقة إلى الغبن اللاحق بأصحاب الشقق والعقارات اليوم نتيجة لنص القانون اللبناني الذي يهدّدهم بضياع أملاكهم. فالهدف من وضع القوانين والأنظمة هو إنصاف الناس وإحقاق الحقّ ووضع الأمور في نصابها الصحيح وترسيخ العدالة، لكن في حالة وضع قوانين وقرارات فيها إجحاف بالحقوق المكتسبة يكون في ذلك إجحاف وقرصنة وتعدٍ على الحقوق، وهو ما يجري مع المالكين نتيجة عدم معرفتهم بتفاصيل القوانين المجحفة!لقد نصّت المادة 25 من القرار 188 أنّه «وفي مطلق الأحوال يرقن القيد حكماً بعد مرور سنة على تاريخ تسجيله باستثناء عقود البيع التي يكون تمّ استيفاء رسوم تسجيلها بموجب إرسالية بحيث لا يرقن قيدها في هذه الحالة». والتعديل هذا يمثّل قمّة الإجحاف لأنّه يشير إلى أنّ عقد البيع الممسوح المسدّدة رسومه لدى الدوائر العقارية لا يحمي المشتري إلاّ لمدّة سنة فقط، وهذه النقطة في غاية الخطورة، إذ أنّ أي مشترٍ لأيّ عقار خالٍ من ايّ رهن أو حجز بموجب إجراء عقد بيع ممسوح، وكان قد دفع الرسوم المتوجبة على عقاره لدى الدوائر العقارية، وحالت ظروف معينة دون تمكّنه من إكمال معاملات التسجيل والحصول على سند ملكية، سواء بسبب مخالفة أو عدم الحصول على القيمة التأجيرية لسبب ما، سوف يجد نفسه قد فقد عقاره بسبب خطأ في القوانين.وهنا يحقّ لنا التساؤل ما الهدف من القوانين إذا لم يكن حماية الناس وممتلكاتهم، إذ أن إجراء أيّ حجز على «صاحب الملك الأساسي» من شأنه أن يتسبّب ببيع العقار بالمزاد العلني لصالح الحاجز، وبهذا يفقد المشتري جنى عمره لأنّ القانون لا يحمي المواطن في هذه الحال؟! وفي ذلك جملة من المحاذير التي تهدّد المالك بضياع ملكه.وهذا الواقع على قدر كبير من الأهمية لأنّه يتعلّق بموضوع تسجيل الشقق والعقارات وحقوق المالكين عبر عقود البيع الممسوحة التي سدّدت رسومها في الدوائر العقارية. لذا لا بدّ من اقتراح تعديل القوانين المعمول بها ووضع قوانين جديدة تؤمّن حلاً لهذه المشكلة. فهل ستستجيب لجنة الإدارة والعدل لمطلب إعادة النظر بهذا القانون وتضع الأمور في نصابها؟!